RECHERCHES‎ > ‎

الطحـالب العتيقـة

الجيوكيمياء الحيوية: الطحـالب العتيقـة عَبَرَتْ مرحـلةً فاصلة

ريتشارد د. پانكوست, ماركوس پ. س. بادجر & جون رَيْنفيلدر Nature (2013)

كشفت نتائج أن أصداف بعض أنواع الطحالب قد تحتوي على توقيع مستويات منخفضة من ثاني أكسيد الكربون الجوي؛ مما دفع لاكتشاف نشوء هذا التوقيع في السجل الأحفوري. وهنا، يناقش الخبراء محصلة هذه النتائج بالنسبة إلى علوم المناخ وبيئة المحيطات.

  • طحالب المكوّرات الحجرية هي طحالب بحرية تستخدم الكربون غير العضوي في عمليتي البناء الضوئي والتكلس— ترسب كربونات الكالسيوم لإنتاج هيكل خارجي مصنوع من صفائح تسمى المكوَّرات الحجرية (الشكل1)
  •  نشر بولتون وستول1 بدوريّة «نيتشر» مؤخرًا أن طحالب المكوَّرات الحجرية تخصِّص كربونًا غير عضوي، على هيئة بيكربونات من ماء البحر، لعملية البناء الضوئي أكثر مما تخصصه لعملية التكلس لدى انخفاض مستويات ثاني أكسيد الكربون الجوي.
  • يسبب هذا التغير في توزيع الكربون فرقًا بين توقيع نظير الكربون في المكوَّرات الحجرية الكبيرة والصغيرة.
  • رصد المؤلفان هذا الفرق في سجل أحفوري، بدأ منذ 7000000 سنة تقريبًا.
  • خلص المؤلفون إلى حدوث انخفاض عالمي في تركيز ثاني أكسيد الكربون الجوي آنذاك.

 

الشكل 1| وكيل لمستويات ثاني أكسيد الكربون الغابرة. طحالب المكورات الحجرية هي طحالب بحرية تتسم بهيكل خارجي من صفائح متداخلة )مكورات حجرية) مكونة من كربونات الكالسيوم. أورد بولتون وسترول1 أن الفروق في تكوين نظير الكربون في المكورات الحجرية الصغيرة والكبيرة المحفوظة في السجل الجيولوجي توفر معلومات عن مستويات ثاني أكسيد الكربون في الأزمنة الغابرة.

دروس مناخيّة

ريتشارد د. پانكوست، وماركوس پ. س. بادجر


طَوَّرَ بولتون وستول أداةً لإعادة بناء تركيزات ثاني أكسيد الكربون الغابرة على أساس فروق في تكوين نظائر الكربون بالمكورات الحجرية الكبيرة والصغيرة. ليست طريقتهم مقياسًا مباشرًا لثاني أكسيد الكربون، بل ترتكز على ما يبدو وكأنه استجابة استهلالية لطحالب المكورات الحجرية، التي تمر بتغيرات فسيولوجية عند زيادة تركيز ثاني أكسيد الكربون فوق نطاق 375-575 جزءًا في المليون. استخدم المؤلفون هذه المقاربة ليختبروا مباشرة إنْ كان تركيز ثاني أكسيد الكربون قد تناقص ببطء من مستويات أعلى قبل 10 إلى 12 مليون سنة. ومع تزايد مستويات ثاني أكسيد الكربون الراهنة، تصبح للإجابة عن هذا السؤال نتائج بالنسبة إلى مناخ المستقبل. تتجاوز دراسة المؤلفين كونها مجرد نهج آخر (تشتد الحاجة إليه) لإعادة بناء تركيزات ثاني أكسيد الكربون، بل لها تبعات أيضًا تتعلق بفهم كيفية تأقلم العوالق النباتية مع العالم حولها.

يمكن تحديد تركيزات ثاني أكسيد الكربون الغابرة من الفقاعات الموجودة بالعيِّنات الجليدية الجوفية، لكن هذه السجلات تعود إلى مليون عام فقط. لذا.. يتحتم استخدام نهج الوكيل proxy لدراسة باقي تاريخ الأرض2. تقوم مناهج الوكالة هذه على كثافة الفوهات في الأوراق الأحفورية، أي تمييز نظائر الكربون في البناء الضوئي كما سجلتها ألكينونات alkenones (مركبات تنتجها حصريًّا بعض طحالب المكوَّرات الحجرية البحرية)، أو على التكوين النظيري للبورون في العوالق البحرية. هذا.. وتُستخدَم عدة طرق للحد من عدم اليقين.

لسوء الحظ، يقتصر استخلاص بيانات الوكالة للفترة بين 12 و5 مليون سنة ماضية غالبًا على مقاربة ألكينون فقط3، وحتى هذه البيانات تبقى مقيدة، وتعود بمعظمها لموقع واحد بجنوب غرب المحيط الهادئ. يشير ذلك السجل إلى أن مستويات ثاني أكسيد الكربون، أثناء هذه الفترة، كانت منخفضة جدًّا (دون 300 جزء في المليون) ومستقرة نسبيًّا، أو تزداد زيادة بسيطة. ومزاوجة هذه الملاحظة مع بيانات ألكينون من مواقع أخرى ومن فترات زمنية أحدث تنتج سجلًّا يبين أن مستويات ثاني أكسيد الكربون وصلت ذروتها منذ 4–5 قرون4. وعلى نقيض ذلك.. انخفضت درجات حرارة سطح البحر بثبات في ذات الفترة، كما توسعت الصفائح الجليدية، مما جعل بعض الباحثين5 يجادل بأن المناخ منبت الصلة بمستويات ثاني أكسيد الكربون.

أنتج بولتون وستول ­ باستخدام نهجهما ­ بيانات تمثل نموذجًا مختلفًا جذريًّا لتطور ثاني أكسيد الكربون منذ 12 مليون سنة عن ذلك المشتق من نموذج ألكينون المشار إليه أعلاه. وتدل بياناتهم أيضًا على أن مستويات ثاني أكسيد الكربون كانت مرتفعة منذ 12–7 مليون سنة، وتناقصت منذ 7–5 مليون سنة. وتبيِّن هذه النتائج ـ بشكل حاسم ـ أن مستويات ثاني أكسيد الكربون كانت مقترنة بالفعل بدرجة حرارة المحيط خلال معظم الـ12000000 سنة الماضية.

تتعلق إحدى نتائج المؤلفين الضمنيّة بمقياس ألكينون لثاني أكسيد الكربون آنف الذكر، لأن المكوَّرات الحجرية وألكينونات تشتقان غالبًا من الكائنات الحية نفسها. يقوم نهج وكيل الألكينون على إطار نظري6، لا يضع في حسابه امتصاص طحالب المكورات الحجرية النشط لثاني أكسيد الكربون، غير أن بحث بولتون وستول يشير إلى أن هذا الإطار معيب. ورغم أن ذلك لا يعني بالضرورة عدم صحة العلاقة التجريبية التي بُنيت عليها وكالة ألكينون، فقد تكون طريقة تفسير هذه الوكالة وتقديرها استقرائية بالبيئات العتيقة مفرطة التبسيط. وقد يساعد هذا في تفسير الانفصال الواضح ما بين وكيل ثاني أكسيد الكربون القائم على ألكينون، وذلك القائم على المناخ طوال حقبة الميوسين (منذ 23–5 مليون سنة.(

ومن المفيد وضع خلاصات الباحثين في سياق الزيادة الحالية بشرية المنشأ لمستويات ثاني أكسيد الكربون، حيث ارتفعت من 280 جزءًا في المليون في زمن ما قبل الثورة الصناعية إلى حوالي 400 جزء في المليون ببعض المواقع هذا الصيف7، ربما لأول مرة خلال 4000000 سنة. وأظهر بولتون وستول أنه، أثناء الـ12000000 سنة الماضية، تميزت فترات ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون بدرجات حرارة عالية بشكل لافت، وبصفائح ثلجية أصغر من الموجودة حاليًا.

 

تغيُّرات البحر

جون رَيْنفيلدر


نُشر مؤخرًا8 أنه عند انخفاض تركيزات ثاني أكسيد الكربون، يبدو أن طحالب المكورات الحجرية تحوِّل مسار البيكربونات «المضخوخة» ـ بيكربونات ماء البحر الذي نقلت بشكل نشط إلى الخلايا ـ بعيدًا عن عملية التكلس نحو إنتاج كربون عضوي بالبناء الضوئي. يقدم بولتون وستول توكيدًا مستقلًّا لهذا التحول في أيض الكربون لدى تنويعة من أنواع طحالب المكورات الحجرية من المحيطات الحديثة ومن الماضي الجيولوجي، كما يوضحان أن التعبير عن هذا التحول يعتمد على حجم الخلية. إذن، ماذا تخبرنا هذه النتائج عن إيكولوجية المحيط؟

استخدمت معظم دراسات تنظيم البناء الضوئي والتكلس بثاني أكسيد الكربون في طحالب المكورات الحجرية مختلف سلالات طحالب «إيميليانيا هوكسليا» صغيرة الخلايا، لكن نتائج بولتون وستول تبرز الحاجة إلى النظر في أنواع متعددة الأحجام. كذلك قد يؤثر فرط حساسية طحالب المكورات الحجرية الكبيرة تجاه ثاني أكسيد الكربون التي ذكرها المؤلفان في المنافسة بين الأنواع مختلفة الأحجام، مما يسبب تفوق الأنواع الصغيرة على الأنواع الأكبر عند انخفاض تركيزات ثاني أكسيد الكربون، وزيادة طحالب المكورات الحجرية الكبيرة عند ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون. قد يؤثر تركيز الكربون اللاعضوي المعتمد على الحجم في طحالب المكورات الحجرية أيضًا في التدفق الرأسي للكربون الحبيبي العضوي واللاعضوي في البحر، لأن الخلايا والمكورات الحجرية من الأنواع الكبيرة تغطس أسرع من نظيراتها لدى الأنواع الأصغر.

مِحور نتائج بولتون وستول أنه مع تراجع تركيز ثاني أكسيد الكربون في ماء البحر، يصبح الجزء الأكبر من التكلس مدعومًا بثاني أكسيد الكربون الذي يدخل الخلية انتشارًا. يُحوَّل ثاني أكسيد الكربون هذا إلى بيكربونات داخل الخلية لتعويض نقل البيكربونات المضخوخة إلى البناء الضوئي. لذلك، قد تنتج طحالب المكورات الحجرية حمضًا أقل خلال التكلس مع تزايد تركيز ثاني أكسيد الكربون، لأن جزءًا أكبر من عملية التكلس تغذى بالبيكربونات (حيث تنتج مولًا واحدًا من الحمض لكل مول يترسب من كربونات الكالسيوم) وليس بثاني أكسيد الكربون (الذي ينتج مولين من الحمض لكل مول يترسب من كربونات الكالسيوم). ونتيجة لذلك.. ولأن طحالب المكورات الحجرية تمثل جزءًا كبيرًا من إجمالي التكلس في المحيطات، فإن النقص المتوقَّع حاليًا في الأس الهيدروجيني (pH) لسطح المحيط قد يلغي جزئيًّا أثر ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون.

ربما جاءت النتيجة الأكبر بالنسبة لدورة الكربون العالمية من كيفية تأثير تركيزات ثاني أكسيد الكربون المتصاعدة في ترسب كربونات الكالسيوم إجمالًا بواسطة طحالب المكورات الحجرية. عند التركيزات المنخفضة مثل 200–400 جزء في المليون، التي حدثت خلال العصور الجليدية السابقة، ولا زالت مستمرة، بدا التكلس يقل مع زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون الجوي9. لدى نطاق تركيز أعلى (400-750 جزءًا في المليون)، كالذي يُتوقَّع خلال المئة سنة القادمة، فالأدلة المتصلة بوتائر التكلس ليست حاسمة8-10. وإذا زاد جزء البيكربونات المضخوخة المستخدَم في التكلس عند تركيزات أعلى من ثاني أكسيد الكربون، كما تشير نتائج بولتون وستول، فقد يعادل هذا أثر أي كبح للتكلس مرتبط بالتحمض المستقبلي للمحيطات.

وبتزايد تركيز ثاني أكسيد الكربون بالغلاف الجوي خلال 50–100 سنة قادمة، فإن النقلة التي حدثت عبر 3 مليون سنة من تركيزات ثاني أكسيد الكربون العالية إلى المنخفضة التي خلص بولتون وستول إلى حدوثها منذ حوالي 7 مليون سنة ستعاد معكوسة، لكن أسرع بحوالي 30–60 ألف مرة. ورغم أن تأثيرات هذه الكربنة السريعة لمحيطات الأرض في البيئة البحرية وقدرة امتصاص المحيط لثاني أكسيد الكربون الجوي غير مؤكدة، يقدم بولتون وستول تبصرًا بكيفية استجابة مكون حاسم من تجمعات العوالق البحرية بجميع أنحاء العالم لعملية الكربنة هذه.

References

  1. Bolton, C. T. & Stoll, H. M. Nature 500, 558–562 (2013).
  2. Beerling, D. J. & Royer, D. L. Nature Geosci. 4, 418–420 (2011).
  3. Pagani, M., Freeman, K. H. & Arthur, M. A. Science 285, 876–879 (1999).
  4. Pagani, M., Liu, Z., LaRiviere, J. & Ravelo, A. C. Nature Geosci. 3, 27–30 (2010).
  5. LaRiviere, J. P. et al. Nature 486, 97–100 (2012).
  6. Bidigare, R. R. et al. Glob. Biogeochem. Cycles 11, 279–292 (1997).
  7. http://keelingcurve.ucsd.edu
  8. Bach, L. T. et al. New Phytol. 199, 121–134 (2013).
  9. Beaufort, L. et al. Nature 476, 80–83 (2011).
  10. Iglesias-Rodriguez, M. D. et al. Science 320, 336–340 (2008).